استغل ويلي والش، المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)، اجتماع قطاع الطيران في ريو دي جانيرو للتحذير من أن صدمة أسعار وقود الطائرات الحالية قد تخرج الناقلات الأضعف من السوق وتسرّع وتيرة الاندماجات، ولا سيما بين شركات الطيران التي تفتقر إلى مقصورات الدرجات الممتازة، أو الطلب القوي من قطاع الأعمال، أو العوائد المجدية لبرامج الولاء.
الوقود يتحول إلى اختبار للبقاء
التحذير شديد اللهجة لأن الوقود ليس مجرد بند نفقات إضافي لشركات الطيران؛ بل هو أحد أضخم تكاليف الصناعة على الإطلاق. وجاء الارتفاع الحاد الأخير المرتبط بالصراع في الشرق الأوسط في وقت تتعامل فيه العديد من الناقلات بالفعل مع تأخيرات تسليم الطائرات، ونقص المحركات، وهشاشة طلب المستهلكين. وبإمكان شركات الطيران رفع الأسعار، أو تقليص الجداول، أو فرض رسوم إضافية حيثما تسمح الأنظمة، لكن لا يمكنها الإفلات تماماً من المعطيات الاقتصادية لتشغيل طائرات أصبحت تكلفة تسييرها أعلى بكثير فجأة.
تمحورت رسالة والش حول أن بعض الناقلات لن تملك الحماية الكافية. وتعد شركات الطيران منخفضة التكلفة الأكثر عرضة للخطر عند الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، نظراً لاعتماد نموذج عملها على إبقاء تكلفة المقعد منخفضة وملء الطائرات بركاب يبحثون عن أرخص الأسعار. في المقابل، تملك شركات الطيران التقليدية التي توفر مقصورات الدرجات الممتازة، وعقود الشركات، وإيرادات الشحن الجوي، وبرامج ولاء كبرى سبلاً أكبر لامتصاص الصدمات، بينما تقل خطوط الدفاع لدى الناقلات القائمة بالكامل تقريباً على بيع التذاكر الاقتصادية الرخيصة.
إلغاء المسارات يسبق عادة حالات الإفلاس
قبل أن تعلن شركة الطيران إفلاسها، يلاحظ المسافرون عادة مؤشرات الضغط على شبكة رحلاتها. فيتم تقليص المسارات الهامشية أو تعليقها، وتخفيف وتيرة الرحلات، ونقل الطائرات إلى الأسواق التي تكون فيها أسعار التذاكر قوية بما يكفي لتبرير حرق الوقود. وهذا هو المنطق الفعلي الذي يفسر العديد من تعديلات الجداول التي تظهر حالياً عبر أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
قد يكون التأثير غير ملحوظ في البداية؛ فقد يبقى المسار ضمن جدول الرحلات لكنه يفقد طائرة عريضة البدن، أو رحلة يومية ثانية، أو تمديداً موسمياً. وفي حالات أخرى، يختفي المسار تماماً لأن شركة الطيران لم تعد قادرة على موازنة الأرقام والحسابات. وقد يلمس المسافرون ذلك في صورة أسعار تذاكر أعلى، وخيارات أقل للرحلات المباشرة، وتوافر أضعف للمقاعد بمكافآت الأميال، لا سيما على مسارات العطلات والترفيه التي يتسم فيها الطلب بالمرونة والتأثر بالأسعار.
الاندماج قد يصبح صمام الأمان لقطاع الطيران
إذا بقيت أسعار الوقود مرتفعة، سيغدو الاندماج وسيلة طبيعية لتخفيف الضغوط. وتستطيع الناقلات الأقوى الاستحواذ على منافساتها الأضعف، وضم خانات الإقلاع والهبوط المخصصة لها، واستلام الطائرات، أو ببساطة الاستفادة من خروج المنافسين من السوق. ولا يعني ذلك أن كل صفقة اندماج مقترحة ستجتاز الرقابة التنظيمية، بل يعني أن السوق قد يكافئ شركات الطيران التي تتمتع بملاءة مالية أقوى، ومراكز عمليات أكثر رسوخاً، ومصادر دخل أكثر تنوعاً.
أوروبا تستحق المراقبة عن كثب؛ فالمنطقة تضم العديد من شركات الطيران، وهياكل عمالية معقدة، وتكاليف بيئية مرتفعة، ومنافسة محتدمة. وفي الوقت ذاته، تدير مجموعات مثل IAG ومجموعة لوفتهانزا وAir France-KLM محافظ متعددة العلامات التجارية تمكنها من إعادة توزيع السعة المقعدية عبر مختلف الأسواق، وعادة ما تصب أزمات الوقود في مصلحة هذا النوع من المرونة التشغيلية.
مراكز الطيران في الخليج تحتفظ بأهميتها رغم الصدمة
تضع هذه النقاشات الناقلات الخليجية أيضاً تحت منظور مختلف. فقد واجهت طيران الإمارات والخطوط الجوية القطرية والاتحاد للطيران اضطرابات كبيرة نتيجة تأثير الصراع على المجال الجوي وتدفقات الوقود في الشرق الأوسط، إلا أن دورها الجغرافي يظل عصياً على الاستبدال؛ فالخليج ما يزال من أهم مناطق الربط الجوي بين أوروبا وإفريقيا وآسيا وأستراليا.
يعني هذا أن الأزمة الحالية من غير المرجح أن تقضي نهائياً على نموذج مراكز الربط الخليجية. ويبقى السؤال الأبرز في الوقت الحالي هو حجم الضرر الذي سيلحق بجداول الرحلات قبل استقرار الأوضاع، ومدى القوة والسرعة التي ستعود بها تلك الناقلات فور تحسن تكاليف الوقود وأوضاع المجال الجوي واستعادة الثقة.
برامج الولاء تتجاوز مجرد كونها أداة تسويقية
بالنسبة لجمهور المسافرين الدائمين، فإن الدرس المستفاد هو أن برامج الولاء أصبحت جزءاً لا يتجزأ من صمود شركات الطيران. فالشراكات مع بطاقات الائتمان، واسترداد النقاط في مقصورات الدرجات الممتازة، والإيرادات المتكررة المدفوعة بأعضاء الفئات النخبوية، يمكن أن تساعد شركات الطيران على تجاوز الفترات التي تنهار فيها اقتصاديات مبيعات التذاكر المجردة. وفي ظل بيئة ترتفع فيها أسعار الوقود، قد تحظى الناقلات التي تمتلك منظومة ولاء قوية بفرصة أفضل للحفاظ على مستوى خدماتها واستمرار ولاء عملائها المميزين.
لقد شهد قطاع الطيران صدمات سابقة، لكن هذه الصدمة تتسم باتساع غير مسبوق؛ إذ تتزامن تكاليف الوقود مع مشكلات سلاسل الإمداد، واضطرابات المجال الجوي، وحالة عدم اليقين المتعلقة بسياسات المناخ في وقت واحد. ومن المرجح أن تكون الشركات الأكثر قدرة على تجاوز الأزمة هي تلك التي تعتمد شبكات تشغيل منضبطة، وتتمتع بقدرة قوية على التسعير، وتمتلك مصادر إيرادات تتجاوز مجرد بيع مقعد الطائرة.









